أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
138
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
التاريخيّة التي عاشتها أوروبا في القرن السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر . هذه ثلاثة قرون أصبح واضحاً لكلّ ذي عينين - إلّا أن يكون أعمى - أنّها عاشت [ التناقض ] . الفلّاحون يتعاركون مع الإقطاعيّين ، العمّال يتعاركون مع أصحاب المعامل ، إنّ الحياة تناقض وصراع . إذن فيجب أن يكون الكون كلّه صراعاً ، لأنّ الحياة مظهر من مظاهر الكون . يعني أنّ إنجلز اكتشف جانباً من الحقيقة ، لو قلناه [ فإنّ ] هذا الجانب ضمن شروط خاصّة جدّاً ، هو ضمن فترة معيّنة من تاريخ كائن حيٍّ في منطقة معيّنة على الكرة الأرضيّة ، وفي زمان معيّن في هذه الحدود الزمانيّة والمكانيّة التي لا تزيد عن [ ثلاثمائة ] سنة . وفي أوروبا كان التناقض هو الذي حرّك المجتمع ، تناقض بين الطبقة الحاكمة . [ إنجلز ] جرّدَ من هذا نظريّة ملأت كلّ أبعاد الزمان والمكان ، وكلّ الأرض والكون ، إلى أن جاءت إلى الرياضيّات وإلى الأعداد الموجبة والسالبة . هذا طبعاً يعتبر خطأً علميّاً ، لأنّ الحضارة التي تحترم نفسها لا تدّعي [ أيّ ] نوعٍ من التعميم المطلق قطّ ، وإنّما تقول : أنا اكتشفت الحقيقة من خلال زاوية معلومة معيّنة ليست أكثر من هذا المقدار . إذاً أنا حينما أكتشف هذه الحقيقة من خلال هذه الزاوية فإذن : إنّ آلافاً من الطاقات التي أجمّدها والتي أفرض رأيي عليها والتي أحجّرها لأمنعها من النمو الطبيعي ، ولأجسّد عليها منافع الصعود بشكل آخر غير هذا الشكل الذي أنا صعدت به . إذاً ماذا يدريني أنّي بهذا لم أقصِ معالم قصور بشريّة كبيرة جدّاً . ولو نظرنا إلى هذا ككلّ مقولة ، [ تصبح ] مؤاخذة هذا التفكير لا جواب عليها من وجهة النظر الغربيّة . بينما هذا نفسه لا يكون بالنسبة إلى الرسالة الإسلاميّة إلّا إذا كانت نتاج بشري محمّدي وليست نتاج الله . بهذا يتغيّر الموقف . ولكن هنا يأتي نقاشٌ بالنسبة إلى الأصول الموضوعيّة على ما قلناه ، والمفروض أنّ كلامنا في كلٍّ من الحضارتين بالنسبة لوجهة نظرها نفسه ، فنقول بأنّ المؤاخذة التي ذكرناها للحضارة الغربيّة لا تكون بالنسبة للحضارة الإسلاميّة ، لأنّ الفارق النظري بين الحضارة الغربيّة والحضارة الإسلاميّة كبيرٌ جدّاً . والاستعمار يحمل من شعارات كان يقول : أحمل العلم ، وأحمل الحقيقة إلى الشعوب المتخلفة ، فإنّه في الواقع يحمل وجهة نظره عن الحقيقة ويفرضها على الآخرين ، وهذا خطأ كبير وفادح بالنسبة للحضارة البشريّة . هذا على المستوى النظري ، وأمّا على المستوى التطبيقي ، نقول : بطبيعة الحال ، التطبيق للنظريّة الإسلاميّة لو كان سائراً في الخطّ الصالح مائة بالمائة لوجدنا الفارق على [ المستوى ] التطبيقي بقدر الفارق على المستوى النظري - ولما طرح هذا السؤال - ، حيث إنّه لو كانت هكذا لما بقي هذا السائل يعيش إطاره الفكري الذي تحدّثتم عنه ، ولكنّ التطبيق بالنسبة للنظريّة الإسلاميّة انحرف انحرافاً كبيراً جدّا . لكن بالرغم من هذا الانحراف ، وبالرغم من أنّ هذا التطبيق كان يعيش في ظلمات ما يسمّى عهد النهضة وعصر الانفتاح والتجديد والحرية وحقّ الإنسان في الحياة والتعبير عن الإرادة ، بالرغم من أنّه كان يعيش قبل أن يعرف إنسان هذه الأرض كلّ هذه المفاهيم . ونرى أنّ هناك فارقاً كبيراً في التطبيق ، في هذا التطبيق الذي مارسه أعداء الرسالة الإسلاميّة من الداخل ، أي الذين استلموا الإطار الداخلي للرسالة ومارسوا التطبيق لهذه النظريّة . بالرغم من هذا كان هناك فارقٌ في التطبيق ، عندما نلحظ الحياة الإسلاميّة وحياة المسلمين في البلاد المفتوحة إسلاميّاً ، ونلحظ مآسي الاستعمار وفضائح الاستعمار ، هذه الفضائح التي كانت بعد ما سمّي بعصر النهضة ، وبعد النداء بالحريّة وحقوق الإنسان ، بعد كلّ هذا عندما نقارن بين التطبيق هنا وبين التطبيق هناك نرى فارقاً كبيراً . لم يوجد في تاريخ الإسلام على الإطلاق أنّ شخصاً يمسك به خارج نطاق الغرض السياسي فتتحرّك